1. عاشوراء والثوابت عند العلويين أضيف بواسطة سام محمد الحامد علي , في 01-12-2007 05:54 بسم الله الرحمن الرحيم الأخ العزيز السيد محمد المحترم: السلام عليك، ووالديك، وسائر المسلمين، ورحمة الله وبركاته؛ وبعد! وصلتنا رسالتك الكريمة وفيها كلام رصين ودعوة إسلامية إنسانية صادقة فلك منا كل تحية وتقدير، وها نحن ذا نردّ على مضمون رسالتك بما يُيسِّر اللهُ لنا، إنه وليُّ التوفيق.. * بالنسبة لافتراق المسلمين إلى فِرق فهو أمر واقع وطبيعي، إذ سُنة الكون التغيُّر والتبدُّل.. وقد أخبر بذلك الرسول الكريم ــ ص ــ وأشار إلى ذات المضمون القرآنُ الكريم! والمشكلة الحقيقية أو الكبرى ليست في الفِرق من حيث التعدد وإنما بالدلائل المروية حول الفرقة الناجية منها! فكُل فرقة قد أودعتْ مراجعها أحاديث تقطع بأنها هي الناجية وحدها!(1) قال تعالى: "ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شِيعاً كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون".(2) * أما بالنسبة لمسألة العصر الذهبي للإسلام فلا شك أنه ــ بالعموم ــ كان عصر الرسول (ص) فالأقرب منه وإليه.. كما دلَّت السنة النبوية الشريفة بالحديث والسيرة وكما ثبت في القرآن من قبل! ولكن هذا كلام يحتاج إلى تحديد وضبط، فترك الأمور على عواهنها ــ هكذا ــ لن يُجلِّي الحقيقة ولن يخدم قضيتنا(3)! لقد ثبت في القرآن الكريم وجود منافقين في عصر الرسول ــ ص ــ، وثبت قبلها وبعدها التفاوت والتمايز بين المسلمين من حيث المنزلة والدرجات.. ولكن السمة العامة كانت كما قال تعالى: "كنتم خيرَ أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله".(4) فميزان النقد أو التقويم واضح، ولا يعني ذلك التطاول على مَن ترضَّى عنهم اللهُ في محكم كتابه أو تجريح مشاعر المسلمين في النيل "غير اللائق" بثلة من رجال ذاك العصر ممن لهم مكانة لدى فريق واسع من المسلمين!(5) * أما بخصوص الشيعة وعاشوراء فسأكتفي بوقوف عابر على ذاك الموضوع الفائق الأهمية والحساس والشائك والمتشعِّب! أقول: ثبت ــ قطعياً ــ رِفعة منزلة الحسين بن علي (ع) سِبط الرسول (ص) وسيد شباب أهل الجنة.. وثبت ــ قطعياً ــ (أيضاً) فسق قتلة الحسين وظلم حكام ذاك الزمان. وصحّ عقلاً "أهمية حادثة كربلاء" من حيث التفاني الأمثل في التطبيق الأقوم لخير ما جاء في دين الإسلام!(6) ولقد كُرِّم الرسول الكريم ــ ص ــ مرة أخرى بأن جُعل سبطه بطل تلك الحادثة. والمتيقَّن ــ عفوياً ــ، والمعلوم ــ بديهياً ــ، أنه لم يكن لتقوم قائمة الصدق "الأكمل" مع الله لولا ذاك الموقف "الأروع" لسبط الرسول وقرة عينه! ولولا تلك الملحمة البطولية ــ بكل تفاصيلها وجزئياتها العقائدية والفكرية والجهادية ــ لطُسمت القيم التي من أجلها جاءت النبوات..! لقد وقعت معارك مفصلية في الإسلام وعلى رأسها "بدر"، ولكن لعدم وجود ذاك النوع والكم من الظلم الشيطاني الأعظم والأخبث في النساء والأطفال ومن ثم بسادات الرجال تألَّقت كربلاء أكثر من غيرها، وما زال بريقها يضيء سماء المظلومين في كافة أنحاء المعمورة وإلى أن يرث اللهُ الأرض ومَن عليها! ماذا لو بايع مَن تربَّى بحجر الرسول ــ ص ــ وتغذى من ريقه، وحمل اسمه وتشرَّف بالانتساب إليه.. شخصاً كيزيد بن معاوية؟ ماذا لو هادن سبطُ الرسولِ (ص) وبقيَّتُه شرَّ الأشرارِ "ابنَ زياد"؟! اختصاراً أقول: لعاشوراء بعدان، فكري ثقافي، ووجداني عاطفي؛ وكِلاهما على درجة عالية من الأهمية بحيث لا يفوق أحدهما أهمية الآخَر! فبالنظر إلى موقف الحسين (ع) المشابه لموقف أخيه الحسن (ع) المتمثِّل بلمِّ شعث المسلمين والترفّع عن الحقد وضم الجراح.. يمكن رؤية سِلم الحسين مع معاوية وتفرُّغه لواجباته الدينية الأهم! وبالنظر إلى موقف الحسين (ع) المشابه لموقف جدّه ــ ص ــ من رؤوس الكفر ورموز الفسق والعصيان يمكن رؤية ثورة الحسين على شر الفجَّار! بالتفكُّر المستنير بهدي النبي ــ ص ــ والتأمُّل الواسع الشفاف.. يمكن استلهام خير الحِكم والمواعظ من سيرة الحسين (ع) والتزوّد بكل ما هو مهم لمعركة الشرفاء والنبلاء في هذه الدنيا.. أما البُعد "العاشورائي" الوجداني العاطفي فهو شعورٌ إنساني "فطري"، طبيعي مئة بالمئة! فكيف لإنسانٍ غير فاقد للحس الإنساني الرفيع، حيّ الضمير، أن لا يتألَّم لذِكر تلك الحوادث الرهيبة؟! وكيف لمحبٍّ لرسول الله ــ ص ــ مأمور بالتودد إليه في أهله(7)، وهم ذريته ــ كما صحَّ في صحيح مسلم ــ، أن لا يتألم لمُصاب الرسول ــ ص ــ في أقرب الناس إليه، وأن لا يواسيه بأفجع النوائب عليه؟! ولكن، وبالوقت ذاته الذي نعلن فيه ما نعلن ونقول ما نقول، يتوجَّب علينا سؤال أنفسنا: هل يعني إقرارنا بعِظم ما جرى بكربلاء وببُعديها الفكري والعاطفي أن نقوم بما يتعارض والفطرة الإنسانية والمألوف الطبيعي لدى الناس..؟! كلا، طبعاً. وهل يعني قولنا بمظلومية سبط الرسول ــ ص ــ أن نُعادي مَن لا ذنب له، أو أن نَخرج عن آدابنا الإسلامية الرفيعة فنتخذ من الشتم والسب منهجاً للتعبير عن السخط والحزن..؟! كلا، طبعاً. وهل يعني اعتقادنا بفجور رموز الشر والفتنة من قتلة سبط الرسول ــ ص ــ والتنكيل به وبصحبه.. أن نقلب الأمور أو نخرِّب البلاد والنفوس..؟! كلا، طبعاً. إنْ كنا نحب الحسين (ع)، ونحن كذلك ــ إنْ شاء الله ــ، فلنحافظ على ما من أجله أراق الحسينُ دمَه! لتكن غيرتنا للدين وعليه، ولنتعلَّم من الحسين كيف ينتصر الدم على السيف! لنصبر ونجاهد من أجل ديننا وإنسانيتنا.. فقد كان الحسين وأصحابه كذلك. (وأُمسك عن القول هنا، وأعتذر كل الاعتذار على الإطالة) أخيراً ــ أخا الإسلام "محمداً" الفاضل النبيل ــ تفضَّل بقبول فائق حبنا واحترامنا.. دمتَ بألف خير ــ وسائر المسلمين ــ. بكل ود وإخلاص: سام محمد الحامد علي الحواشي: (1) قال أهل السنة والجماعة بالروايتين وعملوا بواحدة، وقال الشيعة برواية واحدة تتضمن معنى الروايتين وعملوا بعمل المذهب الواحد!! (الأولى معناها: تارك فيكم ثقلين كتاب الله وسنتي، والثانية معناها: كتاب الله وعترتي أهل بيتي!) ورد في الصحيح أن رسول الله ــ ص ــ قال: "أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشِك أن يأتي رسولُ ربي فأُجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به". فحث على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي أذكِّركم اللهَ في أهل بيتي. أذكِّركم اللهَ في أهل بيتي. أذكِّركم اللهَ في أهل بيتي". فقيل (للراوي وهو الصحابي زيد بن أرقم): مَن أهلُ بيته نساؤه؟ قال: لا وأيمُ اللهِ، إنَّ المرأة تكون مع الرجل العصرَ من الدهر ثم يُطلِّقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعَصَبَتُهُ الذين حُرموا الصَّدقةَ بعده. [الجامع الصحيح لابن مسلم المعروف بـ: صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، من فضائل علي بن أبي طالب. (انظر: طبعة دار الفكر، طبعة مميزة: مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة؛ مج4، ج7، ص122-123)] [انظر البحث المهم: الإمام علي في السنة والتاريخ، سام محمد علي، فصل مكانة علي وأهل بيته عند رسول الله ــ ص ــ] (2) سورة الروم، 31-32. (3) نبذ العصبية والسير نحو التوحُّد الإسلامي. (4) سورة آل عمران، 110. (5) يحتاج هذا الأمر إلى بحث مفصَّل، قد استغنينا عن الخوض في بعض تفاصيله ها هنا، وفيما ذكرنا كفاية لمَن اكتفى! (6) لم تتجلَّ مكارم الأخلاق كما تجلَّت في أخلاق الحسين ــ ع ــ ورجاله، وفي كافة مناحي سيرتهم البطولية.. (7) كفى بقوله تعالى: "قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى". [سورة الشورى، 23]
|