|
مقدمة اهتم القرآن الكريم بقضية "الشيطان" انطلاقاً من أهمية "الإنسان" الذي هو محور الحياة على هذه الأرض، وكان التركيز على أهمية قضية "الشيطان" من حيث دوره في حياة الإنسان ذاته، حيث يلعب الشيطانُ دوراً بارزاً في الحياة الدينية والاجتماعية والفكرية عند كل الناس، لا سيما البعيدين عن جوهر الدين القويم.
ومع أن القرآن الكريم قد أوضح أنه ليس للشيطان سلطانٌ على المخلصين من عباد الله فإنه لم يُخرج الشيطان نهائياً من حياة أولئك المخلصين، حيث أنه يتوجَّب عليهم أن يقاوموا مغرياته، ويبتعدوا عن خطواته، ويحذِّروا الناس منه، ويحذَروه في كل فِعل وكل حين! ونظراً لهذه الأهمية قررتُ أن أبحث ــ قرآنياً ــ موضوع الشيطان؛ والله الموفِّق، وهو الهادي. "الشيطان" في اللغة {"شطن": خالفه عن نيَّته ووَجْهِهِ؛ بَعُدَ. "الشيطان"، جمع شياطين: روحٌ شرير سُمِّي بذلك لبعده عن الخير والحق. "كلُّ عاتٍ متمرِّدٍ من إنسٍ أو جِنٍّ أو دابةٍ"(1)، ومنه شياطين العرب أي متمرِّدوها.}(2) أما إبليس، جمع أباليس وأبالسة، فهو: "عَلَم جنس للشيطان".(3) عمل الشيطان وخطواته وكيده عمل الشيطان: 1- ينسي المرءَ الأوامر والنواهي.(4) 2- يُزين الشرَّ والقبيحَ والباطلَ.(5) 3- يوسوس في صدور الناس.(6) 4- يفتن الناس.(7) 5- يُمنِّي الناس ويعدهم غروراً.(8) 6- يسوِّل للناس ويملي عليهم.(9) 7- يزل(10) الناس.(11) 8- يأمر بالفحشاء.(12) 9- يعدُ الناسَ بالفقر.(13) 10- يخوِّف أولياءه.(14) 11- ينزغ(15) الناسَ.(16) 12- يمسُّ بالنُّصْب(17) والعذاب(18).(19) خطوات الشيطان(20): قال تعالى: "يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطواتِ الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين / إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأنْ تقولوا على الله ما لا تعلمون".(21) وقال: "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السِّلْم كافةً ولا تتبعوا خطواتِ الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين".(22) كيد الشيطان(23): قال تعالى: "الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيدَ الشيطان كان ضعيفاً".(24) مدخل الشيطان إلى قلب الإنسان مرَّ معنا في تعديد أعمالِ الشيطانِ أهمُّ ما يقوم به لإغواء بني آدم، لكنا لم نقف على الطريقة التي يتبعها الشيطانُ في الدخول إلى قلب الإنسان، فللشيطان مدخل لا يستطيع الدخول إلا منه! إن أسلوب الشيطان في إغواء الناس وإغرائهم والتزيين لهم هو الوسوسة، لكن الوسوسة وحدها لا تؤتي ثمارها إلا بالإصغاء إليها، وهنا يكمن الخطر. فمَن من الناس لا تتجاذبه الأفكار، وتراوده الخواطر؛ ومَن من الناس يستطيع الكفَّ عن الظن والتخمين؟! المعضلة إذاً بكيفية التمييز بين الأفكار والخواطر والظنون البشرية الطبيعية وطريقة التعامل معها وبين وسوسة الشيطان غير الطبيعية وطريقة تجنّبها أو طردها وتصفيتها!(25) لقد علَّمنا القرآنُ الكريم طريقة التعامل مع الظنون التي هي أساس الأفكار غير الحقيقية، وقد أعطى اللهُ ــ خالقُ الإنسان والعالمُ به ــ حريةً بالتفكير لا بالتقرير، فقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إنَّ بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه مَيْتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم".(26) إذاً، الظن والتخمين من طبيعة ابن آدم، لكن على الإنسان أن يحتكم إلى العقل والواقع ليتبيَّن الحقيقة ويصل إليها، فعلى المرء أن يغذي عقله بالحقائق الواقعية ليتمكن من المعرفة والحكم.. ولهذا قال تعالى: "اجتنبوا كثيراً من الظن". فظنُّ الإنسان غالباً ما يكون نابعاً من هواه، ولذلك عليه طرد الظنون التي نشأت من تخيّلاته غير الواقعية والتي أصلها ما يحب ويتمنَّى والإبقاء على الظنون التي تستند إلى وقائع وأدلة وثوابت لتمكنه عبر الزمن من اتخاذ الحُكْم المطلوب أو فَهْمِ صورةٍ ما. ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى أن الله أَمَرَ باجتناب الكثير من الظن لأن بعضه إثم، ويالها من لطيفة عظيمة.(27) وبقي علينا في هذا الفصل أن نبيّن أن مَن يطرد وسوسة الشيطان من قلبه بالاستعاذة بالله ــ سبحانه وتعالى ــ، والاستعانة بتلاوة القرآن وذِكر الله، ويصغي إلى صوت الضمير والعقل، لا يمكن للشيطان وجنوده أن يؤثروا عليه أبداً. قال تعالى: "وقل ربِّ أعوذ بك من همزاتِ(28) الشياطين / وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون".(29) وقال: "وإذا قرأتَ القرآنَ جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً".(30) وقال: "فإذا قرأتَ القرآنَ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم / إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون / إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون".(31) وقال: "ومَن يعشُ(32) عن ذِكر الرحمن نقيِّض له شيطاناً فهو له قرين".(33) وقال: "ومَن يكن الشيطانُ له قريناً فساء قريناً".(34) أصل إبليس وجنسه كثرت الأقوال حول أصل إبليس وماهيته، وهل هو من الملائكة عموماً، أم من نوع خاص منهم يدعى "جن"، أم من الجن الجنس المعروف الذي هو خلاف الإنس. ولا شك أن لكل صاحب مقالة حجةً ومؤيدين، ولكن أرجح المقالات وأقواها ما كان موافقاً للقرآن الكريم حسب الظاهر الواضح من معاني الآيات.. قال تعالى: "ما منعك ألا تسجد إذ أمرتُكَ قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين".(35) وقال: "يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقتُ بيديَّ أستكبرتَ أم كنتَ من العالين / قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين".(36) وقال: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه".(37) وقال: "ولقد خلقنا الإنسان من صَلْصَاْلٍ من حمإٍ مسنون / والجان خلقناه من قبلُ من نار السموم".(38) وقال: "وخلق الإنسانَ من صَلْصَاْلٍ كالفخَّار / وخلق الجان من مارجٍ من نار".(39) إذاً، الجن أو الجان مخلوقات خُلقتْ من نار وإبليس مخلوق من نار، وقد خلق اللهُ الجانَ قبل خلْقِ آدم.. قال الحسن البصري(40): "ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط".(41) وأورد الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي حججَ مَن قال بأن إبليس من الجن وليس من الملائكة، كالحسن البصري وعلي بن عيسى والبلخي وغيرهم، ما ملخصه: {* قوله تعالى: "إلا إبليس كان من الجن"، ومَن أطلق لفظ الجن لم يجز أن يعني به إلا الجنس المعروف، وكل ما في القرآن من ذكر الجن مع الإنس يدل عليه. * وقوله تعالى: "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"، فنفى المعصية عن الملائكة نفياً عاماً. * ثم إن إبليس له نسل وذرية. قال تعالى: "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو". والملائكة لا يتناسلون.. * وقوله تعالى: "جاعل الملائكة رسلاً"، ولا يجوز على رسل الله الكفر ولا الفسق...}(42) وبهذا الإيراد أُنهي هذا الفصل وأَختم هذا البحث. وفوق كل ذي عِلمٍ عليم. الفقير لله تعالى سام محمد الحامد علي آب، 2004
(نُشر في 25/12/2005) الحواشي: (1) انظر لسان العرب، مادة: شطن. (2) المنجد في اللغة. (3) المرجع السابق. (4) قال تعالى: "استحوذ عليهم الشيطانُ فأنساهم ذِكْرَ اللهِ أولئك حزب الشيطانِ ألا إنَّ حزبَ الشيطان هم الخاسرون". [المجادلة، 19] وقال: "وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينََّك الشيطانُ فلا تـَقـْعـُد بعد الذكرى مع القوم الظالمين". [الأنعام، 68] (5) قال تعالى: "وزيَّن لهم الشيطانُ ما كانوا يعملون". [الأنعام، 43] (6) قال تعالى: "قل أعوذ برب الناس * مَلِكِ الناس * إله الناس * من شرِّ الوَسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس". [الناس، 1-5] (الوَسْوَاسُ: الشيطان وأولياؤه من الجن والإنس. والخناس: الشيطان، لأنه ينقبض ويتأخر عند ذكر الله تعالى. المنجد في اللغة) وقد تكون الوسوسة بصورة غضب أو حالة عارضة تلم بالإنسان. قال تعالى: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون". [الأعراف، 201] (طائف: اللمة، والزلة. الغضب.. تفسير الطبري. قال العلامة محمد حسين الطباطبائي: الطائف من الشيطان هو الذي يطوف حول القلب ليلقي إليه الوسوسة، أو وسوسته التي تطوف حول القلب لتقع فيه وتستقر عليه. الميزان في تفسير القرآن) (7) قال تعالى: "يا بني آدمَ لا يفتننكم الشيطانُ كما أخرج أبويكم من الجنة". [الأعراف، 26] (8) قال تعالى: "يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً". [النساء، 120] (9) قال تعالى: "إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطانُ سوَّل لهم وأملى لهم". [محمد، 25] (10) زلَّ: سقط، وزلّ عن الحق أو الصواب: انحرف. الزلـّة: الخطيئة، السقطة. [المنجد في اللغة] (11) قال تعالى: "إنما استزلهم الشيطانُ ببعض ما كسبوا ولقد عفا اللهُ عنهم". [آل عمران، 155] (12) قال تعالى: "الشيطانُ يعدكم الفقرَ ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم". [البقرة، 268] (13) يعدهم الفقر حيث يخوفهم من الزكاة والصدقة فلا يبارك الله لهم في أموالهم.. قال تعالى: "الشيطانُ يعدكم الفقرَ ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم". [البقرة، 268] (14) قال تعالى: "إنما ذلكم الشيطانُ يخوّف أولياءه فلا تخافوهم وخافونِ إنْ كنتم مؤمنين". [آل عمران، 175] (15) نزغ: أفسد. يقال: نزغ الشيطانُ بينهم، أيْ: أغرى بعضهم على بعض. ويقال: نزغه الشيطان إلى المعاصي، أيْ: حثَّه. [المنجد في اللغة] (16) قال تعالى: "وإما ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم". [الأعراف، 200. ونحوها: فصلت، 36] (معنى الآية: وإما يصيبنّك من الشيطان وسوسة فاستجر بالله والجأ إليه.. المختار من تفاسير القرآن الكريم وأسباب النزول، د. أحمد إسماعيل الصباغ) (17) الضر. (18) الألم. (19) قال تعالى: "واذكر عبدنا أيوبَ إذ نادى ربَّه أني مسَّني الشيطانُ بنُصْبٍ وعذاب". [ص، 41] (20) خطا لغة: مشى. وخطوات الشيطان: طـُرُقـُه. [لسان العرب، ابن منظور، دار التعارف، مج2، ص1205] (21) البقرة، 168-169. (22) البقرة، 208. (23) الكيد: الخبث والمكر. [لسان العرب] ويُطلق على المكر خيره وشره، فلله كيد وهو من حكمته وتدبيره وتصريفه، وللشيطان مكر وهو من خداعه وزخرفه وتضليله. [قال القرطبي: كيده: مكره. (تفسير القرطبي)] (24) النساء، 76. (25) درج بين الناس في أيامنا هذه، كما كان في أزمنة سبقت، اعتبار وسوسة الشيطان أنها من ظنون الناس، وليس للشيطان تدخل خارجي بهذا الأمر، بمعنى أن الشيطان هو الأفكار الخبيثة الشريرة والأعمال الضارة القبيحة..؛ وهذا ليس من الإسلام في شيء. قال تعالى: "يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوأتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون". [سورة الأعراف، 27] (26)سورة الحجرات، 12. (27) تمعَّن بالآية ككل ففيها من اللطائف ما يصعب حصره.. (28) همز: دفع. هَمَزَ الشيطانُ الإنسانَ: همس في قلبه وسواساً. همزاتُ الشيطان: خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان. [المنجد في اللغة] (29) سورة المؤمنون، 97-98. (30) سورة الإسراء، 45. (31) سورة النحل، 98-100. (32) يُعْرِض. (33) سورة الزخرف، 36. (34) سورة النساء، 38. (35) سورة الأعراف، 12. (36) سورة ص، 75-76. (37) سورة الكهف، 50. (38) سورة الحجر، 26-27. (يرجى النظر إلى الآيات التي تلت تلك الآيتين) (39) سورة الرحمن، 14-15. (40) هو الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد (21-110)هـ: تابعي، من مشاهير الثقات. ولد في المدينة وأقام في البصرة. قال عنه الإمام الذهبي: كان سيد أهل زمانه علماً وعملاً. [سير أعلام النبلاء، الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مج4، ص571-572. والمنجد في الأعلام] (41) جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف: تفسير الطبري، الإمام المحدِّث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ضبط وتعليق محمود شاكر، دار إحياء التراث العربي، مج1، ج1، 259. (42) مجمع البيان في تفسير القرآن، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، دار مكتبة الحياة، مج1، ج1، ص180-181. * * * * * جميع المواضيع المرسلة من قبل سام محمد الحامد علي محفوظة الحقوق لكاتبها، وهي مسجلة باسمه في الجهات المعنية والمختصة بالحماية الفكرية في سوريا، وتطبع دورياً في سلسلة مقالات تحت إشراف وموافقة وزارة الإعلام السورية، وتودع باسمه في المكتبات السورية المعتمدة تباعاً، كمكتبة الأسد. ثم إن الموقع يحتفظ بأرشيفه الخاص عن المقالات وتاريخ وروودها لحماية كل مَن يكتب فيه. أضف الى المفضلة (45) | أضف الى موقعك | المشاهدة: 480
|
- من فضلك اضف تعليق يتناسب مع الخبر.
- أي اهانات أو شتم سيتم حذفها.
- لا تنس اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
|
|