spacer spacer
النصيرية

آخر تحديث للموقع

 January 9, 2009, 5:36 am 
 
التقية طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سام محمد الحامد علي   
26/11/2007

 المقدمة

فكرتُ طويلاً، وتريَّثتُ كثيراً قبل أن أبدأ بالكتابة عن التقية؛ وكثيراً ما راودني خاطر مفاده أن الكتابة عن هذا الموضوع ستُألِّب عليَّ عدداً هائلاً من المسلمين، وشريحة كبيرة منهم ستكون من الأقارب والأصحاب!
ولقد ترددتُ كثيراً بقرار الكتابة، وكذلك بتثبيت نظرتي إلى هذا الأمر، ولكنني ما لبثتُ أن وجدتُ نفسي مضطراً لأن أقول كلمتي وأنْ أفوِّض أمري إلى الله.

بوليس رأيي بهذا الموضوع رأياً قاطعاً من حيث الفكرة أو المبدأ، وإنما من حيث الرؤية والفهم والإدراك، فلا أدَّعي العصمة لنفسي، ولا لغيري؛ وقد أكون مخطئاً فيما أراه صحيحاً، ولكن عليَّ إثبات موقفي من هذا الموضوع.
ولم يكن هذا القلق والتردد لعلةٍ في نفسي، وإنما لخطورة الموضوع الذي أُريد البحث فيه، وللضبابية والجدال والتعصب الذي يلف به.. مع إقراري بضعف نفسي، وتشكيكي بقدرتي على الكتابة بالمستوى المطلوب، فضلاً عن قلة مواردي العلمية، وكثرة عثراتي..

 

التقية في اللغة 

{وقاه اللهُ : صانَهُ وحَفِظَهُ. وتوقَّى واتَّقى بمعنىً، وقد توقَّيتُ واتَّقيتُ الشيءَ وتَقَيْتُهُ وأتَّقيه تُقىً وتقيَّةً وتقاءً : حَذِرْتُهُ، والاسم التقوى، التاء بدل الواو، والواو بدل من الياء. وفي التنزيل العزيز : "وآتاهم تقواهم"؛ أيْ جَزاء تقواهم، وقيل : معناه ألهمهم تقواهم. وقوله تعالى : "يا أيها النبي اتَّقِ اللهَ"؛ معناه اثبتْ على تقوى الله ودُمْ عليه. رجلٌ تقيٌّ، وبجمع أتقياء، معناه أنه مُوقٍّ نفسَهُ من العذاب والمعاصي بالعمل الصالح، وأصله من وَقَيْتُ نفسي أقيها.}(1)

 

التقية في القرآن الكريم 

قال تعالى:
"لا يتخذِ المؤمنون الكافرين أولياءَ من دون المؤمنين ومَن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاةً ويحذركمُ اللهُ نفسَه وإلى الله المصير".(2)
وقال:
"مَن كَفَرَ بالله من بعد إيمانه إلا مَن أُكره وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان ولكن مَن شَرَحَ بالكُفرِ صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم".(3)
وقال:
"إن الذين توفَّاهم الملائكةُ ظالمي أنفسهم قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستَضْعَفين في الأرض قالوا ألم تكن أرضُ اللهِ واسعةً فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً / إلا المُستضعَفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً / فأولئك عسى اللهُ أن يعفوَ عنهم وكان اللهُ عَفوَّاً غفوراً".(4)

 

التقية عند أهل السنة 

قال البخاري:
{عذر اللهُ المستضعَفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر اللهُ به، والمُكرَه لا يكون إلا مستضعَفاً غير ممتنع من فِعل ما أُمر به. وقال الحسن (البصري): التقية إلى يوم القيامة. وقال النبي ــ ص ــ: "الأعمالُ بالنيةِ".}(5)
وروى عوف عن الحسن البصري أنه قال: التقية جائزةٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة. قال الإمام الرازي: وهذا القول أولى، لأن دفْع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان.(6)
قال الإمام ابن جرير الطبري:
{التقية التي ذكرها اللهُ في قوله: "إلا أن تتقوا منهم تقاةً": إنما هي تقية من الكفار، لا من غيرهم. وروى عن ابن عباس أنه قال: التقية باللسان: مَن حمل على أمرٍ يتكلم به وهو معصية لله فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان، فإنَّ ذلك لا يضره، وإنما التقية باللسان.}(7)
وقال الإمام الرازي:
{ظاهر الآية "إلا أن تتقوا منهم تقاةً" يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين، إلا أن مذهب الشافعي ــ رضي الله عنه ــ أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين(8) حلَّت التقية محاماة على النفس.}(9)

 

التقية عند الشيعة 

عن هشام الكندي قال: سمعتُ أبا عبد الله(10) يقول:
{"إياكم أن تعملوا عملاً يعيّرونا(11) به، فإنَّ ولدَ السوء يُعيِّر والِدَهُ بعمله؛ كونوا لمَن انقطعتم إليه زيناً، ولا تكونوا عليه شيناً؛ صلُّوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم. واللهِ ما عُبد اللهُ بشيء أحبُّ إليه من الخبء". قلتُ: وما الخبءُ؟ قال: "التقية".}(12)
وقال الإمام الباقر ـ ع ـ:
"التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمَن لا تقية له".(13)

 

التقية في الميزان 

لا شك أن حياة الإنسان هي أغلى ما في الوجود، وأن الدين جاء لسعادة الإنسان لا لشقائه!
ولا شك أيضاً أن لبعض القواعد شذوذاً، فقد تكون حياةُ عظيمٍ ما من الناس رخيصةً في سبيل رسالته.
وقد يختلف تقويمُ أمرٍ ما بين إنسان وآخر من نفس الدين والمذهب، فواحدٌ يرى الموتَ في سبيل نصرة الحق باللسان هو الأوجب والأشرف، وآخر يرى الاستمرار بالحياة والجهاد بالسبل الممكنة في طريق نشر الحق هو الأوجب والأشرف.
وقد يختلف المرءُ وأخوه في النظر إلى قضية ما أو فهْم حدث ما، ففريقٌ من الناس فضَّل نهجَ الإمامِ الحسن بن علي بن أبي طالب في الصلح وحقن الدماء ولمِّ الشعث، وفريقٌ فضَّل نهجَ الإمامِ الحسين بن علي بن أبي طالب في الثورة على الباطل وبذل المُهَج في سبيل الحق؛ وفريقٌ رأى الحقَّ في السيرتين حسبما تقتضيه الظروف ويفرضه الواقع..
وهكذا يمكننا القول أنه ما من قضية دينية إلا ولها أوجه في فهمها وتحليلها وطريقة التعامل معها، لا سيما القضايا الفكرية والمسلكية.
والتقية في ديننا ــ الإسلام ــ لم تكن يوماً إلا رخصةً مشروطةً بشروط متعددة أهمها: أن تكون حياة الشخص أو ضمان أمنه وسلامته مهدد ما لم يعمل بالتقية.. وهذا ما يساعدنا على فهم التقية، فالتقية هي إظهار ما لا تعتقده في حالة الإكراه والاضطرار على أن لا يكون فيما تُظهر إساءة للدين أو أذى لأهله.
وقد جازت التقيةُ يوماً ما في فجر الإسلام، وبقيت الرخصةُ موجودةً لحال اضطُرَّ إلى العمل بها، ومن هذا الحيث أقول:
ليست التقية بحدِّ ذاتها قضية خلاف، وإنما ما انطوى تحت لوائها من نوايا وأفكار!
فإذا تحوَّلت التقية من تقية بين المسلمين والمتربصين من الكفار إلى تقية بين المسلمين أنفسهم فإن مشروعيتها وغايتها ولوازمها لم تتغير أبداً.
فالمسلم، أو المؤمن، يجب أن يكون صادقاً ونبيلاً وطاهراً بأيّ حال من الأحوال!
وهنا علينا أن نبحث في سبب تحوّل التقية بين مسلمين وكفار إلى بينية بين المسلمين أنفسهم، فلا شك أن الظرف الداعي لاستعمال التقية كان مشابهاً إلى حدٍّ بعيد.
فإذا انتُهج منهج تصفية الخصوم، المذهبيين أو السياسيين، وصُودِرَتِ الحريات والآراء، وحُرِّمت التعددية أو المخالفة بالأفكار، كان الحال شبيهاً بين مسلمين وكفار وبين مسلمين متعادين!
ولو اعتُمِدَ مبدأ "المجادلة بالتي هي أحسن"، أو: "الكلمة السواء أن لا يُعبد إلا الله"، وغير ذلك فمتروك للجمهور، لبَطُل استعمال التقية بين المسلمين.
إن التقية بين المسلمين لم تكن لتظهر لولا وجود أحد العاملين التاليين أو كليهما، وهما:
عامل القمع الديني عند الجهة الحاكمة أو المسيطرة، وعامل البعد الكبير عند المخالفين للجمهور وحكَّامه.
وإذا حاولنا فهم الطرف الآخر على مبدأ التقرُّب منه فكراً وروحاً، لغاية الإصلاح والوئام، لَفَهِمْنَا أنَّ مَن قال بأن التقية ركن من أركان الدين كان مقتنعاً بأن لا أمل في الحرية المذهبية في المجتمع الذي كان يعيش به؛ ولتخفيف الأمر على أتباعه ومريديه أَشرع التقيةَ على أساس أنها من أركان الدين ليكون استعمالها سلسلاً على كارهي التستُّر. وقد يكون من التعسُّف بمكان أن ندرج مثل هذا الاجتهاد تحت باب البدع نظراً للأصل الديني الصحيح للتقية وجوازيتها.
أما السبيل إلى حل إشكالية ممارسات التقية واستعمالاتها غير المبررة فيكون بنظر المرء أولاً في السبب الجوهري وراء الخلاف بينه وبين إخوانه المسلمين، وعليه أن يسأل نفسه هل يمكن أن يكون هو والطائفة التي ينتمي إليها على حق وباقي أمة محمد ــ ص ــ على باطل؟! وهل يمكن أن تجتمع خيرُ أمةٍ على باطل؟ وهل يمكن أن تتحول أمة قال الله فيها: "كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" إلى شرّ أمة؟ وهل يمكن أن تتحوَّل الغالبية العظمى من الصحابة الذين امتدحهم الله بكتابه من المهاجرين والأنصار إلى منافقين ومرتدين ومخالفين..؟! ألم يكن الله يعلم بما سيؤلون إليه؟
وأسئلة غير ذلك كثيرة..
وعلى المسلم أن ينظر إلى أصول دينه والأركان التي بُني عليه مذهبه هل كانت موجودة في عصر الدعوة، وهل من نص قرآني صريح ومباشر لِما يعتمد؟ ثم عليه أن يُحافظ على خصاله الإسلامية وإنْ بقي على خلافه مع إخوانه من المذهب الآخر، فيجب عليه ألا يصلي معهم ويضمر لهم الكره ويعتقد ببطلان صلاتهم ويسمي ذلك تقيةً، بل يصلي معهم بنيَّةٍ صادقة خالصة لوجه الله تعالى ويبتعد عن الخلافات الثانوية الشكلية بينه وبين إخوانه، وعليه أن يرد الإساءة بالإحسان والكره بالمحبة.
قال الإمام علي بن أبي طالب ــ كرَّم اللهُ وجهه ــ:
"عاتب أخاك بالإحسان إليه، وارددْ شره بالإنعام عليه".(15)
 
وبهذا أنهي هذا البحث المتواضع، وأعترف بعجزي وتقصيري.
 
كتبه
الفقير لله تعالى
سام محمد الحامد علي
يوم الجمعة الواقع في 2/شعبان/1425
الموافق لــ:17/أيلول/2004
 
الحواشي:
(1) لسان العرب.
(2) سورة آل عمران، 28.
(3) سورة النحل، 106.
(4) سورة النساء، 97-99.
(5) صحيح بخاري، كتاب الإكراه. [طبعة دار الفكر، ط1، مج4، ص302] انظر: تفسير ابن كثير، شرح الآية /28/ من سورة آل عمران. [تفسير القرآن العظيم، الإمام ابن كثير، دار التراث العربي، مج1، ص357]
(6) تفسير الفخر الرازي، الإمام الرازي، ط: دار الفكر، قدم له الشيخ خليل محي الدين الميس ـ مدير أزهر لبنان ومفتي البقاع، مج4، ج8، ص15.
(7) تفسير الطبري، الإمام ابن جرير الطبري، دار إحياء التراث العربي، ضبط وتعليق محمود شاكر، مج2، ج3، ص268-269.
(8) لعل المقصود هنا: الخشية على النفس والمال.. والله أعلم.
(9) تفسير الرازي، مج4، ج8، ص15.
(10) هو الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر.
(11) عنى: المخالفين. (أهل السنة والجماعة) قال محمد جعفر شمس الدين: الحديث صحيح.
(12) أصول الكافي، ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، باب97، حديث11. [موسوعة الكتب الأربعة في أحاديث النبي والعترة، طبعة دار التعارف، ضبط وتصحيح وتعليق محمد جعفر شمس الدين، مج2، ص222]
(13) أصول الكافي، الكليني، ب97، ح12.
(14) تحفة الأحوذي، كتاب الأطعمة، باب الوضوء قبل الطعام وبعده. [انظر لسان العرب لابن منظور، مادة خلف] وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل: قال رسول الله: "إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق". [مسند ابن حنبل، مسند أبي هريرة] وفي موطأ مالك: قال رسول الله: "بُعثتُ لأتمم حُسْنَ الأخلاق". [الموطأ، الإمام مالك، كتاب حسن الخلق]
(15) نهج البلاغة، قصار الحكم (158).


أضف الى المفضلة (70) | أضف الى موقعك | المشاهدة: 1235

  التعليقات (2)
1. مشاركة وتحية وتأييد..
أضيف بواسطة يحيى العلي, في 28-11-2007 19:49
بسم الله الرحمن الرحيم 
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الورى والمرسلين سيدنا ونبينا محمد الصادق الأمين المبعوث رحمة للعالمين . 
أخي المحترم أبو الهدى و أبو النور لقد عملت بنصيحتكم الكريمة وأعدت قراءة مقال التقية في موقعكم المحترم وأود أن أوجه لكما جزيل الشكر والمحبة والاحترام وأود أن أشكر الكاتب المحترم أيضاً الأخ سام علي على هذا المقال الجريء والرائع فقد أحسن وأجاد وأبدع في تحليل الأمراض والأوجاع التي ابتليت بها أمتنا والتي أدت لظهور هذه التقية 
 
فقد أجاد وأصاب القول حين قال : ((فإذا تحوَّلت التقية من تقية بين المسلمين والمتربصين من الكفار إلى تقية بين المسلمين أنفسهم فإن مشروعيتها وغايتها ولوازمها لم تتغير أبداً. فالمسلم، أو المؤمن، يجب أن يكون صادقاً ونبيلاً وطاهراً بأيّ حال من الأحوال..)) ... وأنا اتفق معه تماماً بالرأي حين يقول : ((فإذا انتُهج منهج تصفية الخصوم، المذهبيين أو السياسيين، وصُدِرَتِ الحريات والآراء، وحُرِّمت التعددية أو المخالفة بالأفكار، كان الحال شبيهاً بين مسلمين وكفار وبين مسلمين متعادين! ولو اعتُمِدَ مبدأ المجادلة بالتي هي أحسن، أو: الكلمة السواء أن لا يُعبد إلا الله، وغير ذلك فمتروك للجمهور، لبَطُل استعمال التقية بين المسلمين. إن التقية بين المسلمين لم تكن لتظهر لولا وجود أحد العاملين التاليين أو كليهما، وهما: عامل القمع الديني عند الجهة الحاكمة أو المسيطرة، وعامل الشطط الكبير أو الانحراف البعيد عند المخالفين للجمهور وحكَّامه.)) فجزاه الله كل خير على جهده الطيب و عمله المبارك ومحاولته فهم الأخطاء التي وقعت فيها الأمة الإسلامية لبعدها عن تعاليم القرآن الكريم السمحة والتي تلخص المسألة كلها بقوله تعالى : {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } النحل125 .. فلا يجوز لأي إنسان مهما كان وتحت أي ظرف من الظروف أن يفرض رأيه على الآخرين سواءً كانوا من بني دينه أو من الطوائف والأديان الأخرى . ولكن لي بعض الملاحظات الصغيرة على بعض ما ورد في المقالة القول الشائع عن الإمام الباقر عليه السلام : (( التقية من ديني ودين آبائي , و لا إيمان لمن لا تقية له)) . والذي يستشهد فيه الشيعة بشكل عام والعلويين بشكل خاص عن ضرورة وواجب ممارسة التقية هو في رأيي واجتهادي الشخصي هو قول بحاجة إلى دراسة وتفكير ولا اعتقد أنه صدر في الأصل عن الإمام الباقر عليه السلام وإنما على الأرجح أنه تم وضعه ودسه من قبل أنصار التقية من الشيعة لتبرير معتقدهم هذا ( ولا غرابة في قولنا أنه مدسوس فقد دس الكثير من الأحاديث على من هو أعظم منه وأعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ) والدليل على كلامي هذا يتضح ببعض التحليل المنطقي لهذا القول فالذي ينظر بعين الفاحص المتدبر لهذا الحديث يلاحظ أن هذه الألفاظ لا يمكن أن تصدر عن هذا الإمام العظيم حفيد رسول الله عليه الصلاة والسلام فالشطر الأول من القول يزرع الفرقة بين المسلمين وكأنه يقول بمعنى آخر أن ديني ودين آبائي مختلف عن دين عامة المسلمين ( اللهم إلا الشيعة طبعاً ) وبمعنى أدق كأنه يقول أن الذي يؤمن بالتقية كما يؤمن بها الشيعة فهو على ديني ودين آبائي وأما الذي لا يؤمن بها ( من السنة طبعاً ) فهو ليس على ديني ودين آبائي فهل يصح هذا القول أن يصدر عن إمام عظيم كالإمام الباقر الذي أجزم بكل تأكيد وبدون أدنى ريب أنه وجميع الأئمة عليهم السلام كانوا مثالاً يحتذى كجدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في انتهاج الإسلام الصحيح ونبذ الفرقة وفي لم شمل المسلمين وتوحيدهم وهدايتهم الصراط المستقيم و أما الشطر الثاني من القول فهو أشد نكاية وغرابة من الشطر الأول إذ أنه ينفي الإيمان كله بنفي التقية ؟؟؟؟!!!!!! فبالله عليكم هل يصدق هذا القول من أوتي مقداراً ولو صغيراً من العقل والفهم ؟؟!! هل إيمان المؤمن كله مرتبط بهذه التقية وهل أن كل الفرائض الأخرى العظيمة التي فرضت في الاسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج لا قيمة لها مقارنة بالتقية ؟؟!!! هل تصدقون أن هذا القول يصدر عن الإمام الباقر عليه السلام ؟؟ وهل أن الإنسان القادر على مواجهة أعداءه بدلاً من ممارسة التقية لا إيمان له ؟؟!!! فإن أخذنا بهذا الكلام الغريب فكيف تفسر الشيعة إذاً موقف الحسين عليه السلام الذي رفض التقية وفضل المواجهة واستشهد في سبيل الله وفي سبيل قضيته الحقة ؟؟؟!!! كيف نفسر موقفه عليه السلام في ظل هذا القول (( لا إيمان لمن لا تقية له )) ؟؟؟؟ ألم يسمع الإمام الحسين بهذا القول من قبل يا ترى أم أن هذا الحقيقة الناصعة من حقائق الدين قد غابت عن علمه عليه السلام ففضل الموت على التخفي والتكتم عن الحق ؟؟؟؟ كلام غريب يؤدي بنا إلى ما لا ينتهي من متناقضات ومحال صدوره عن إمام من الأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام . ثم أنه مما يثير الدهشة والغرابة في الأمر سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر الخطير العظيم الجلل (كما يفهمنا القول السابق) حيث نجد أن أحاديث الرسول الكريم قد خلت من أي قول عن التقية فأمرٌ كهذا - يبطل إيمان المؤمنين - لا يمكن للرسول عليه الصلاة والسلام السكوت عنه بحال من الأحوال وهو الذي بيَّن للمؤمنين جميع أمور دينهم ودنياهم فهل يعقل أن يسكت عن هكذا أمر إذا كانت له كل تلك الأهمية كما يزعم الشيعة والعلويون وهذا السكوت في حد ذاته يجعلنا نؤكد شكنا في مصداقية القول السابق وخاصة قوله ((التقية من ديني ودين آبائي)) فالأئمة عندما يقولون آبائهم فهم يعنون سيدنا علي وسيدنا رسول الله ولو كان الأمر كما ورد في هذه القول صحيحاً لكان من المحال أن يسكت عنه رسول الله بأي حال من الأحوال وما دام سكت عنه فكيف يصح الجزم بهذا القول . وبالرجوع للآيات القرآنية الكريمة نلاحظ بشكل عام : أن جميع الآيات التي تحدثت عن التقية أنها قد أكدت أن اللجوء على التقية هو الخيار الأخير يالنسبة للمؤمنين المستضعفين الذين لا يقدرون على المواجهة أو الهجرة في أرض الله الواسعة فالآية الأولى التي أوردها الأخ سام في بحثه مشكوراً تقرر عدم جواز اتخاذ المؤمنين للكفار أولياء إلا من اضطرته الضرورة القصوى لذلك ومن باب (( الضرورات تبيح المحظورات )) وأما الآية الثانية تؤكد عدم جواز الكفر بالله في أي حال من الأحوال إلا الذي يجبر على ذلك ويكره إكراهاً ولكن قلبه ما زال مطمئناً بالإيمان ومن باب قول الرسول عليه الصلاة والسلام إنما الأعمال بالنيات ( والله عليم بذات الصدور) والآية الثالثة تؤكد أن الهجرة في هذه الحالات أولى إلا للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان وهؤلاء ما عليهم إلا ينتظروا عفوه تعالى كما نلاحظ أن هذه الآيات جميعاً تتحدث عن فريقين من مؤمنين وكفار وبالتالي لا علاقة للتقية التي يمارسها الشيعة والعلويون اليوم بالتقية المباحة في القرآن والوصف الأقرب للواقع الذي هو حالهم عليه اليوم ..: 
فهناك شيء يُدعى عند الشيعة الكتمان، وهو رديف التقية عندهم، وهو شيء لا تعرفه أهل السنة إطلاقاً! وكما هو معلوم لا يُستعمل الكتمان إلا فيما يخص الأسرار، أو الأمور التي تجلب متاعباً وأخطاراً إذا أُذيعتْ، وهذا شيء غريب عن الإسلام ومبادئه! فقد قام الإسلام على الدعوة وإظهار الحق وفضح الباطل وكشف أهله، ولا أسرار في الدين الإسلامي، إذ أقدس شيء فيه هو الشهادة والإخلاص لها، وما على المعمورة من يجهلها! أما عندما يُعتقد بأمور غريبة لا تتقبلها معظم الناس، ولا تستسيغها الأنفس، ولا يحكم العقل بصحتها بداهةً، فلا بدَّ من التقية والكتمان. ولعمري، هل بُني دين محمد ــ ص ــ على الكتمان والتقية؟! وهل في دين محمد ــ ص ــ ما يجب التستر عليه..؟! 
وأضيف إلى ما قاله الأخ سام جزاه الله كل خير فأقول إن عقيدة الكتمان هذه تتنافى مع صريح القرآن حيث قال تعالى في محكم تنزيله العزيز : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }البقرة159 فإذا فرضنا أن الشيعة أو العلويون على حق فلماذا إذاً يخفون عقائدهم الحقة على الناس والآية تتحدث صراحة عن لعن كل من يخفي البينات والهدى عن الناس!!!! 
باختصار أوجز الكلام لأقول إن التقية شرعها الله بحالات محددة ومخصوصة جداً ولمناسبات حرجة وخاصة من ظروف الاعتداء والتعرض للموت والتي لا يمكن للإنسان تحملها وهذه الظروف يحددها المسلم بنفسه بناءاً على قوة إيمانه وتقواه لا أن تتخذ مبدأً لازماً يستخدم في كل وقت وأي حين والأصل هو عدم جواز التقية إلا على الضعفاء والمضطرين و أما الحال التي نراها اليوم فهي بسبب ما وصل إليه الإسلام - بفضل المسلمين وجهلهم حقائق وتعاليم الإسلام - من ذل وانحطاط وهوان (وهو آخر الزمان الذي تنبأ عنه وتحذر منه أحاديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ) فالمسلمين السنة قد أخطئوا وأساءوا للإسلام حينما استخدموا بدعة التكفير والقتل لكل مخالفيهم في العقيدة وبذلك هم قد خالفوا القرآن الكريم وتعاليم الإسلام السمحة حيث أن الإسلام وكما يبدو من اسمه يدعو للسلام لا إلى القتل و إراقة الدماء وأما الشيعة والعلويون فقد أخطئوا وأساءوا استعمال التقية حسب شروطها المخصوصة حتى تحولت إلى عقيدة دائمة في كل شيء وتحولت في النهاية إلى الكتمان والذي يحرمه القرآن الكريم فنسأل الله العون والمغفرة والهداية لأمة نبيه عليه السلام وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . في النهاية أقول ما هذا إلا مجرد رأي بسيط من عبد فقير عاجز مفتقر إلى رحمته سبحانه وتعالى فإن أخطأت فمن نفسي وإن صبت فمن فضل الله سبحانه وتعالى . وشكراً لكم مرة أخرى و أدعوا الله العزيز القدير أن يوفقكم في مسيرتكم الرائدة وأن يكتب لهذه المسيرة دوام النجاح بفضله تعالى إنه كريم جواد . والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته 
أخوكم يحيى العلي حمص 
(نُشر في 26/4/2006)
2. أضيف بواسطة هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته , في 01-04-2008 04:56
كلام الاخ يحيى العلي منطقي جدا .

أضف تعليق
  • من فضلك اضف تعليق يتناسب مع الخبر.
  • أي اهانات أو شتم سيتم حذفها.
  • لا تنس اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
الإسم:
البريد الإليكتروني
الصفحة الرئيسية
العنوان:
BBCode:Web AddressEmail AddressBold TextItalic TextUnderlined TextQuoteCodeOpen ListList ItemClose List
التعليق:



الكود الأمني:* Code
الإشتراك في التعليقات حول هذا الخبر على البريد الإليكتروني



 
< السابق   التالى >
 

آخر التعليقات

الأهداف ممتازة و راقية هانيبال يوسف حرب
المزيد

اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرى حسنة وقنا عزاب النار ...
المزيد

النصيرية

spacer
Untitled 1

تسمية العلويين | أصل العلويين | علويو الأمس | علويو اليوم | تعريف العلويين | من هم العلويون الأحرار | أهداف العلويين الأحرار

الشام لحلول الإنترنت