|
رؤية شمولية للعلوية وسؤال وجيه |
|
|
|
الكاتب/ م. باسل قس نصر الله
|
|
29/12/2009 |
|
أخي الفاضل بفضل الله، والكريم بنعمته والعالِم من علومه: الدكتور سام علي.. لا شك أن العلوية هي نظرة جديدة للوجود والإنسان من خلال الالتزام بالعدالة والحق والإنصاف في إطار الإعجاب بالإمام علي بن أبي طالب ومحاولة السير على نهجه في الحياة والأخذ بمُثله العليا الأخلاقية في المعاملات والعلاقة مع الآخر. كما أن العلوية ليست ديانة ولا مذهباً دينياً وإنما هي نظرة شمولية الى الكون والإنسان والإله في إطار من التسامح وبإيمان مطلق بالعدالة والحق، وفي ثقافة إنسانية تمقت الاستبداد والإرهاب ويغلِّفها التراث الشرقي بأديانه البدائية والسماوية وطرقها الصوفية والإبدالية. وأعرف تماماً، أيها الأخ، ما تعنيه العرفانية لدى العلويين ــ طائفةً أو طريقةً ــ! وكما لدى الجميع، هناك نوع من الانطوائية يتراوح بين القليل والكثير ــ إن صح القول ــ لدى مختلف الطوائف والملل في العالم. لقد قرأتُ مؤخراً أن أحد رؤساء الجمع، وهي المنتديات (الأماكن) البديلة عن الجوامع آنذاك بعد إلغاء الزوايا والتكايا والمذاهب والطرق الصوفية في تركيا وفي ضواحي مدينة بورصة التركية تحديداً، وفي خمسينيات القرن الماضي، كان مسيحياً يونانياً واسمه انطوناكي فارساميس. ومن المعروف تاريخياً أن الباحث طاشقين سأل شيوخ العلويين (في تركيا) السؤال المحدد التالي: هل تنحصر مرتبة المشيخة بالعلويين وحدهم، أم يجوز أن يتولاها الآخرون؟ وكان الجواب أنها لا تنحصر بالعلويين، وإنما يجوز لكل إنسان راشد وواصل الى مرتبة النضج العقلي والمدرك لِكُنه الفكرة العلوية والعارف لشعائرها وفلسفتها، أن يتولى مشيخة المنتدى العلوي. ووفِق كل ما ذكرتُ وفهمت من قراءاتي (مع علمي التام بأن القراءة وحدها لا تكفي) لا أجد لدى الطريقة العلوية رفضاً لغير العلوي، مع أخذنا بالحسبان ما قاله النبي محمد (ص) لعلي بن أبي طالب ذات مرة: "إن فيك لشبهاً من عيسى بن مريم"، فهل يا ترى سيكون حضور مسيحي في الجمع أو حضور الصلوات مقبولاً لديكم؟ أخوكم بالحق ولأجل الحق المهندس باسل قس نصرالله
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم الأخ العزيز المهندس: باسل قس نصر الله، المحترم.. السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وبعد! قرأت رسالتك، رؤى وتساؤلاً، فسررتُ بها سروراً كبيراً لِما حملتْهُ من جرأة وشفافية وطول تأمل وخلاصة بحث، ورأيتُ أن أرد عليها الرد اللائق فبادرتك بجوابي هذا! أخي، يتوجَّب عليَّ أولاً أن أُعرِّف لحضرتك الكريمة العلوية الصحيحة، والعلوية الملموسة لدى بعض الناس، لأُزيل بتعريفيّ كل لَبْس وشبهة، إذ التمييز بين العلوية الحقيقية والإسلام الحنيف زيغ مطبق وخطأ جسيم..[1] أقول: العلوية لغةً، وأصلاً، وعُرفاً، ومنطقاً، وحقيقةً، هي: الاقتداء بأمير المؤمنين، الإمام، علي بن أبي طالب (ع)؛ وهي بهذه الحال إسلام صرف إذ لم يكن الإمام علي (ع) سوى ديان هذه الأمة الإسلامية بعد نبيها (ص). [2] أما العلوية اللاحقة، أو العلوية اصطلاحاً، أو العلوية رؤى ومناهج (صيرورة) فهي وعي "المسلمين العلويين" لسيرة إمامهم "علي" (ع) وفهمهم وقراءتهم ورؤيتهم لمضمون خطابه وجوهر كلامه وأفعاله.. وهي ــ بهذه الحال ــ مجمعُ أسسٍ وقواعدٌ إسلامية علوية صرفة وغيرُ صرفةٍ، وكيانٌ اجتماعي خاص (إنساني وبشري) له تراثه الخاص وتقاليده وثقافته الخاصتين.. وبهذين التعريفين يمكن لنا أن نستجلي كيف تكون العلوية فكراً إسلامياً أصيلاً ونهجاً محمدياً قويماً وممارسة ولائية صحيحة.. دون أن تكون مذهباً مستقلاً، أو طريقة مبتدعة.. إذ هي سنة حبيب الرحمن: محمد ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ. (إسلاماً صرفاً) أما تعريف الطائفة العلوية: فهي الطائفة التي وُلدت ــ تشكُّلاً ونشأة ــ من أطهر ملاحم الحب والوفاء لرسول المسلمين: محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولآله (عليهم السلام).. وتحمَّلتْ من أجل الحق وحده أقسى أنواع وأشكال العداء السلطوي والعلمائي والشعوبي القبلي والجاهلي.. فجرَّها قدرُها القاهرُ إلى ما جرَّها إليه، فكان منها ما كان، وآلت إلى ما آلت إليه الآن![3] أما بيت القصيد في رسالتك الكريمة والذي هو سؤالك عن جواز حضور غير العلوي، أو غير المسلم، طقساً علوياً خاصاً، فجوابه: يختلف المسلمون العلويون فيما بينهم حول الصورة الواجب تقديمها للآخرين عن حقيقة معتقداتهم الإسلامية وأفكارهم الفلسفية وطرقهم الصوفية ومسالكهم العرفانية! فيرى البعضُ أن تظهير "الحقيقة الصرفة" حول أصل معتقداتهم وأسّها قد يؤثر سلباً على كيانهم كطائفة مستقلة، أو على مستقبلهم الاجتماعي والديني، وأعني: يخشى البعضُ الاعترافَ بحقيقة أن لا اعتقاداً جوهرياً خاصاً بالطائفة العلوية إذ لُب اعتقادها هو ذات ما يعتقده سائر المسلمين، لا سيما صورة الطرح الجعفري على وجه الخصوص، فيُخشى ــ هنا ــ من التشيُّع بالمطلق إذ تندثر معه، حسب رأي البعض ومخاوفهم، الطائفة العلوية، أو تفقد أهم خصوصياتها. فلا يمكن حسب تصوّر هؤلاء أن يقف المد، أو التصحيح، أو التصويب، عند الأمور العقائدية الظاهرية، إذ سينسحب ضرورة إلى الأعراف والعادات.. وبالتالي سيعم مختلف مناحي الحياة الدينية والاجتماعية! وليس خطر التشيّع وحده بالخطر المهدد لأولئك الإخوة، أو الهاجس الوحيد لديهم، وإنما خطر التسنن أيضاً؛ إذ يخشون أن يصل الانفتاح والود والتفاهم بين إخوة الإسلام العلويين وأهل السنة والجماعة إلى حد الوحدة (الطبيعية) التي تجمع أبناء البيت الواحد والأسرة الواحدة بمختلف أطيافهم وعلى تنوّع مشاربهم..! هذا من حيث صلب المعتقد، وصميمه؛ أما من حيث الأفكار الفلسفية، الإسلامية الصرفة وغير الصرفة، والطريقة الصوفية، والمَسلك العِرفاني، الذي يعيد تشكيل ظاهر صورة المعتقدات، ويلوِّن الطائفة بألوان مختلفة، فالاختلاف البيني (بين أبناء الطائفة العلوية ذاتها) أكبر بكثير من أن يوحِّدهم في طقس ديني أو اجتماعي خاص ــ واحد! وبناءً عليه، يجب علينا أن نميّز بين الإخوة العلويين، وأن نتفهَّم اختلافهم البيني.. ولعلَّك بتفضُّلك بقراءة، أو إعادة قراءة، بحثيّ: المسلمون العلويون في سوريا، والمسلمون العلويون في تركيا، ستجد بعض أبعاد مرامي كلامي هذا وتفصيلاته، فبيت الجمع (جيم أيفي) الذي تفضَّلتَ بذكره هو مكان استحدَثه الإخوةُ العلويون في تركيا ابتكاراً واضطراراً، وليس له مثيل أو شبيه عند الإخوة العلويين في سوريا إطلاقاً، اللهم ما خلا فئة منهم، اضطرَّتها الأيامُ والظروفُ لبناء بعض صالات اللقاءات والمناسبات، فاستُعملتْ تلك الصالات للمناسبات الدينية، وما في ذلك من عيب.. سيدي الفاضل، إن الإنسانَ لا يكون إنساناً إلا بالوعي والمحبة.. ولا يكون الوعي وعياً إذا كان ناقصاً أو منوطاً بحُكم إقصائي سابق وجائر.. كذلك لا تكون المحبة محبةً بغِلٍّ طارئ على الفطرة الإنسانية البديعة، العظيمة والشريفة.. فلذلك كله أعمل والصالحون أمثالك لعلاج الماضي واستصلاح الحاضر والتحضير للمستقبل.. ولعمري، كيف يكون عملنا بذاك الشرف ولتلك الغايات إذ قام على نبشٍ غير حميد للماضي، أو الأخذ بما ساء منه أو ما زِيد فيه، أو بتعاطٍ غير إيجابي العواقب مع بعض الحالات الشاذة أو السقيمة من واقعنا غير المُرضي! أخيراً، أُجدد شكري لك، وتحيتي، وأسأل اللهَ لك ولسائر إخواننا الشرفاء الغيارى كل خير وبركة؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. المخلص سام علي www.sam-ali.net الحواشي والمراجع: [1] الإسلام الصحيح، أو: الحقيقي، هو ناموس الوجود الإنساني والحقيقة الإنسانية الكبرى.. وهو ـ بذلك ـ النور الكوني الجامع، ونبع الوجدان الفياض بسر الفطرة الإنسانية البديعة، وهو مسطرة العمل الإنساني وميزانه.. [2] ديان بمعنى: القاضي والحكم. لسان العرب، ابن منظور. [جاء في الموسوعة العربية الكبرى: "لسان العرب": الدَّيَّان: من أسماء الله ــ عزَّ وجلَّ ــ، معناه الحَكَمُ القاضي. وسُئل بعضُ السَّلفِ عن عليٍّ بن أبي طالبٍ، عليه السلام، فقال: كان ديَّانَ هذه الأمةِ بعد نبيِّها، أي قاضيها وحاكِمَها. (انظر طبعة دار المعارف، مج2، ج17، ص1467)] [3] أرجو التفضل بمراجعة صفحة: تعريف العلويين، وبحث: الطائفة العلوية. |